الشيخ محمد رشيد رضا

9

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا ثقة بهم من مال الدولة ويقدمون أفرادهم في التشريفات الرسمية على غيرهم من الوزراء والعلماء وسائر الكبراء كما كان في الدولة العثمانية وكما هو معهود عندنا في مصر حتى بعد تحويل شكل الدولة إلى الدستورية البرلمانية فيهما وقد كانت الحاجة إلى مثل هذا طبيعية في العصور القديمة أيام كان قوام الدولة وقوتها بعصبية الملك وعلى رأسها أسرته ، والدولة الانكليزية تحافظ دائما على ثروة رؤوس البيوتات التي تمثل عظمة الأمة وعلى كرامتهم وهم اللوردات ليظل فيها سروات كثيرون لا يشغلهم الكسب عن المحافظة على شرفها وعظمتها ، ولا يزال نظام هذه الدولة أقرب النظم إلى التشريع الاسلامي وسياسته . على أن هذا المعنى ليس هو المناط التشريعي لسهم أولي القربى هنا لان المساواة في الاسلام أعظم وأكمل منها في جميع الأمم ولكن له بعض العلاقة به وهو الذي عبر عنه بعضهم بالنصرة مع القرابة التي هي المناط الأصلي المنصوص في الآية ، وزاد بعضهم له مناطا آخر اقتصر عليه بعضهم وهو تحريم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصدقة على أهل بيته تكريما لهم ، وهذا التكريم لهم ذو شأن عظيم في تكريمه صلوات اللّه عليه وسلامه ولكن لم يوضع له نظام يكفل بقاء فائدته بجعلهم أئمة للناس في العلم والهدى وذكرى أسوة النبوة والمحافظة على استقلال الملة بل أفسدته عليهم السياسة ولا يبعد أن يقال إنه لما كان من أصول التشريع للحكومة الاسلامية أن تقوم على قاعدة الشورى وأن يكون الامام الأعظم فيها منتخبا من أي بطن من بطون قريش وكان من المعقول المعهود من طباع البشر التنافس في الملك المؤدي إلى أن يكون الامام الأعظم من غير أولي القربى وأن يغلبهم الناس على حقوقهم في الولايات ومناصب الدولة فجعل لهم هذا الحق في الخمس تشريعا ثابتا بالنص لا يحل لاحد إبطاله بالاجتهاد ، ومن العجب أن أكثر فقهاء المسلمين لم يعتبروا هذه المعاني لأنهم لم يكونوا يفكرون ولا يبحثون في مقومات الأمم والدول القومية والملية بل غلب عليهم روح المساواة وما يعبر عنه في هذا العصر بالدمقراطية حتى أسقط بعضهم سهم آل بيت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من بعده مع بقاء تحريم مال الصدقات عليهم ، وكان في مقدمة هؤلاء الإمام أبو حنيفة الفارسي الأصل كما كان أكثر الغلاة في آل البيت أنصار الشيعة من الفرس ، وما أفسد على آل البيت أمر دنياهم ثم أمر دينهم بعد ذهاب أئمة العلم منهم إلا هؤلاء الغلاة